سهيلة عبد الباعث الترجمان
477
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وينسحب هذا على صوفية آخرين تأثروا به وبأفكاره وآرائه في كل مجال ، واقتفوا آثاره ونسجوا على منواله في أمر الوجود وما يتعلق به من مباحث مختلفة تختص بأمر الدين والدنيا في صلاح معاشهم ، وما عمروا به قلوبهم من إشراق النور الإلهي عليهم ، فكان فيه صلاح آخرتهم أيضا ، ومن هؤلاء المتأثرين عبد الكريم الجيلي الذي سنفرد له دراسة خاصة تبين معالم فكره ومدى تأثره بابن عربي في كل مبحث من مباحث الصوفية . الحقيقة والشريعة ( الظاهر والباطن ) : لقد راعى التصوف القائم في أساسه على الزهد آداب الشريعة الإسلامية مراعاة دقيقة ، وعمل بأحكامها الظاهرة ، أي الأحكام العملية والنظرية دون ترك جانب منها ، وأضاف إليها ما استنبطه من معان تنطوي عليه هذه الأحكام ، وهو علم باطن الشريعة ، بحيث ارتبط هذا العلم بالتصوف وأصبح ركنا من أركانه ، غايته التقرب والزلفى إلى اللّه تعالى . ويعتبر ابن عربي في مقدمة الصوفية الذين راعوا جانب الشرع ، وجمعوا بين الفروض والنوافل ، معتبرا ذلك ميراثا محمديا لا يمكن مخالفته وأنه منسحب على الزمان إلى نهايته . فهو يرى أن كل شرع ظهر وكل علم إنما هو ميراث محمدي في كل زمان ورسول ونبيّ من آدم إلى يوم القيامة ، ولهذا " أوتي جوامع الكلم " « 1 » . لذلك فهو يدعو دعوة صريحة للأخذ بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لما تنطوي عليه من أمور الدنيا والآخرة ، بل ويعتبرها حصنا منيعا يتحصّن به العبد من هجمات الإلحاد والزندقة والمروق في الدين ، ومن ثمّ فهو يقول : " ومن ذلك الحصن المنيعة علوم الشريعة فيقول من علم حكمة وضع الشرائع والنواميس في العالم رعاها حق رعايتها ، فحافظ عليها ولزم العمل بها ، هذا لما يتعلق بها من منافع الدنيا وحفظ الأنساب والأموال وحصول الأمان في النفوس بوجود القائمين بها والعاملين لها حظ الكافة منها ، وأما المؤمنون بها إذا كانت النواميس إلهية جاءت بها رسل اللّه من عند اللّه فزادوا فيها صدق ما يتعلق بالآخرة من ثواب وصفات ، وما يتعلق بها للعامل عليها المخلص فيها من الكشف
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 457 . الحديث سبق تخريجه .